كريم نجيب الأغر
108
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - [ القيامة : 39 ] إلى المني المذكور في الآية أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [ القيامة : 37 ] ، صحّ أيضا ، ونصّ أن الإذكار أو الإيناث سببه المني ( أو ماء الرجل ) فقط ، وليس ماء المرأة ، كأن نقول : إن الآية تقول : فجعل من المني الزوجين الذكر والأنثى ، كما سنفصّله في مبحث « معجزة الرؤية الإسلامية في علم الوراثة / دور النطفة في تحديد جنس الجنين » ، وهذا المفهوم يدعّمه النص القرآني : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) [ النجم : 45 - 46 ] . 2 - إن مني الرجل ظاهر للعيان ، وبالتالي فمن الأسهل على المخاطبين - على وجه عام - أن يستوعبوا أن الإنسان يتخلّق منه ، بدلا من أن يحاولوا استيعاب أن الجنين يتخلّق من مني الرجل ، ومن ماء غير مرئي ، مختبئ في جسد المرأة ، « والعرب تغلّب الأقرب على الأبعد » ، كما صرّح السيوطي في الأشباه والنظائر ( ج 1 / ص 170 ) ، لذلك غلّب المني على ماء المرأة ، لقربه من الذهن أكثر من ماء المرأة . 3 - إن ذكر نطفة ومني الرجل جاء من أجل دحض اعتقاد العرب أن المرأة هي السبب في إنجاب الإناث ، وكان يترتّب من جراء هذا الاعتقاد ظلم وإيذاء للمرأة ، فكان لا بد من إعادة الأمور إلى نصابها ، وإظهار أن الرجل هو السبب في إذكار أو إيناث الجنين ، وترسيخ وتغليب هذا المفهوم على الاعتقاد الخاطئ والسائد عند العرب ، لذلك غلّب مني الرجل على ماء المرأة . فجاء الإخبار عن حقيقة علمية غيبية إعجازا علميا ساطعا ، وخصوصا أنه تحدّى زعم العرب آنذاك ، وأشار إلى عكس ما آمنوا به . وأرى من الأهمية بمكان أن أنقل ما جاء في المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، للدكتور جواد علي ، ( ج 5 / ص 94 ) ، حتّى يتبيّن للقارئ أن الإسلام هو أوّل من دافع عن المرأة ، وأدى لها كامل حقوقها ، ونصّه ما يلي : « ومن النساء من تكون خصبة في ولادة البنات ، فيجلب لها الخصب هجر زوجها لها وفراره منها ومن رؤية بناته . يحدثنا الأصمعي أن امرأة ولدت لرجل بنتا سمتها الذلفاء ، فكانت هذه البنت سببا في هرب الرجل من البيت ، فقالت : ما لأبي الذلفاء لا يأتينا * يظل في البيت الذي يلينا ؟ يحرد أن لا نلد البنينا * وإنما نأخذ ما يعطينا ومثل تلك المرأة المسكينة كثير من النساء هجرهن أزواجهن لكثرة ما كن يلدن لهم من البنات ، ولسان حالهن يكرر كلمات أم الذلفاء » . - في مجال تغليب كلمة « مني » على كلمة « ماء » : 1 - أنه لو قال اللّه تعالى : ألم يك نطفة من ماء ، لما كان بالإمكان فهم الآية على أن سبب إذكار أو إيناث الجنين هو المني ، كما ذكرنا سابقا ، لانتفاء التخصيص في نوع الماء الذي يتولّد منه زوجا الجنين . 2 - إن الكلام لن يعود متناسبا من الناحية البلاغية ، ولن يحتفظ بجمال انسيابه على الألسنة . . . : * فمن ناحية : أن ذكر المني يفيد الشهوة كما بينّاه في مبحث « الماء والمني / التعريف القرآني واللغوي للماء والمني » ، وهو يتوافق مع ذكر الزوجين ، وميلهما إلى بعض ، فأرجع الكلام إلى أوله ، وردّ العجز على صدر الكلام . ولعلّ الآية تشدّد على إبراز الشهوة ، ذلك أنه كان يكفينا أن نقول ألم يك نطفة -